«الانضباط» تفشل في اختبار «الجماهير المسيئة» لصورة الكرة السعودية

أنشر الحب

باتت حالات الغضب الجماهيرية التي تحدث مؤخراً في الملاعب السعودية ظاهرة تستحق الوقوف عندها بسبب تزايدها في مباريات الموسم الكروي الحالي، حيث قامت لجنة الانضباط بالعديد من القرارات الرادعة لها، لكن كثيرين لا يزالون يؤكدون أن هذه القرارات لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب منها بسبب ضعف اللائحة، فضلاً عن هروب «لجنة الانضباط» من مواجهة الأندية الكبرى بعد قيام جماهيرها بتجاوزات في ملاعبها.
وبدت الهتافات العنصرية ورمي العلب الفارغة في مباراة النصر والاتحاد التي جرت قبل أسبوعين في ملعب «مرسول بارك» في العاصمة الرياض حاضرة بقوة وتصدرت مواقع التواصل الاجتماعي لنحو أسبوعين، لكن لجنة الانضباط سارعت إلى إصدار عقوبات خاصة برمي العلب الفارغة دون أن تكلف نفسها بمراجعة ما رددته الجماهير في مباراة النصر والاتحاد لتقوم بإغلاق هذه الحادثة دون قرار تأديبي منها، سيما وأن الاتحادات القارية والدولية تحارب هذه الظاهرة المسيئة لصورة وهدف الرياضة في كل مكان.
لجنة الانضباط رأت بحسب مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» قبل أسبوعين أن الهتافات لم ترد عبر الناقل التلفزيوني الرسمي، وهو ما يجعلها غير قادرة قانونياً على الوقوف بحزم تجاه ما جرى في المدرجات، فضلاً عن أن نادي الاتحاد لم يقم بتقديم شكوى رسمية تجاه الهتافات العنصرية المسيئة والتي تردد صداها في مواقع التواصل الاجتماعي دون اتخاذ قرارات تأديبية.
ورغم أن لجنة الانضباط والأخلاق التابعة للاتحاد السعودي لكرة القدم غرمت نادي الاتحاد مبلغاً وقدره 42500 ريال، وذلك بسبب رمي جماهيره ثلاث علب مياه في مباراة الفريق أمام التعاون، ضمن منافسات الجولة السادسة بدوري كأس الأمير محمد بن سلمان للمحترفين، بالإضافة لإلزامه بلعب مباراة دون جماهير من الأساس في حال تكرار هذه الحادثة، وذلك في محاولة منها لاقتلاع ظاهرة رمي عبوات المياه داخل ملاعب كرة القدم من جذورها، خاصة أنها تكررت في مباريات عديدة خلال المواسم الماضية، مع تكرار جماهير الأندية لهذه الأفعال حتى بعد توقيع عقوبات مالية على أنديتهم ومجالس إداراتهم.
وأشارت لجنة الانضباط في القرار الصادر على نادي الاتحاد إلى ثبوت قيام جماهيره برمي علب المياه تجاه أرضية الملعب، وفقاً لما ورد في تقرير مراقب المباراة، مع تعليق العقوبة الواردة لمدة 6 أشهر بداية من تاريخ الأخطاء بالقرار، مع إلغاء التعليق في حال تكرار جمهور الاتحاد لأي سوء سلوك مخالف للمادة (52) من لائحة الانضباط والأخلاق لتصبح العقوبة نافذة بشكل تلقائي في أول مباراة لنادي الاتحاد على أرضه، وذلك بقرار قابل للاستئناف.
ويعتبر هذا القرار هو الثاني من نوعه خلال أيام، بعد قرار لجنة الانضباط والأخلاق في وقت سابق ضد نادي النصر، بعد قيام جماهيره برمي أكثر من 50 علبة مياه خلال مباراة فريقهم أمام الاتحاد، على أرضية ملعب مرسول بارك بالرياض، وفقاً لما أورده تقرير مراقب المباراة، ليتم إلزام نادي النصر بدفع غرامة مالية قدرها 150 ألف ريال، بالإضافة لإلزامه بلعب مباراة دون جماهير على ملعبه في حال تكرار هذه الواقعة خلال الـ6 أشهر المقبلة.
ورغم أن تقارير حكام المباريات أثبتت تعرض أحد اللاعبين لرمي عبوات فارغة خلال مباراتين فإن القرارات المعلقة بنقل المباراة الثانية أثارت استغراب المتابعين للدوري السعودي.
ولا تعتبر هذه الحالات مرتبطة بالملاعب السعودية فقط، حيث تشهد ملاعب أوروبا والعالم حوادث شبيهة بين الحين والآخر، حيث أقدمت جماهير نادي باريس سان جيرمان على إحداث الأضرار في مدرجات ملعب أولد ترافورد، خلال مباراة مانشستر يونايتد وسان جيرمان، ضمن منافسات دور الـ16 من دوري أبطال أوروبا، ليقرر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم توقيع غرامة مالية قدرها 41 ألف يورو على النادي الفرنسي، مع إلزامه بإصلاح جميع الأضرار التي سببها جمهوره داخل الملعب.
ووجه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) تحذيراً شديد اللهجة لناديي ليون الفرنسي وبشكتاش التركي، عام 2017. وأصدر بحقهما عقوبة بالحرمان من المشاركة القارية، مع وقف التنفيذ لمدة عامين، بسبب نزول بعض جماهير ليون إلى أرضية الملعب، وقيام جماهير بشتكتاش بإلقاء المقذوفات النارية والقوارير داخله.
ويتعامل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على سبيل المثال مع هذه الحالات بصرامة واضحة، حيث اندلعت مصادمات قرب نهاية مباراة وستهام وتشيلسي عام 2016، حيث قامت الجماهير بإلقاء الزجاجات البلاستيكية، والنقود المعدنية، والمقاعد داخل الملعب، ليتصل الاتحاد الإنجليزي بكلا الناديين، وشرطة العاصمة من أجل التعرف على المتورطين واتخاذ الإجراءات المناسبة والحاسمة، التي تراوحت بين الحرمان النهائي من دخول ملاعب الفريق مدى الحياة بالنسبة للجماهير المشاغبة، بالإضافة لتوقيع غرامات مالية كبيرة على الأندية نفسها منعاً لتكرار ذلك من جانب أنصارهم.
وأعلن نادي نيوكاسل يونايتد والذي يلعب بالدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم في وقت سابق، بأنه فرض عقوبة المنع من حضور المباريات مدى الحياة على من يدعون أنهم من مشجعي الفريق وتسببوا في فوضى في وسط مدينة نيوكاسل إثر خسارة الفريق أمام سندرلاند، خلال ديربي الفريقين عام 2013. بسبب إلقاء زجاجات وإشعال النيران داخل الملعب وخارجه.
ويؤكد الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أن شغب الجماهير بات خطاً أحمر في ملاعبه، لذلك يبدأ قراراته الصارمة بعقوبات مالية، ثم بتهديد إدارات الأندية بخصم نقاط أو نقل مباريات خارج ملعبهم، وفي نفس الوقت حرمان الجماهير المشاغبة من دخول الملاعب لمدة تختلف حسب حجم الشغب والأضرار الناتجة عنه.
أما على مستوى الهتافات العصرية فيتم إيقاف المشجع سريعاً من دخول الملاعب إذا ثبت ذلك، كما حدث من قبل خلال عام 2020 في لندن حيث قضت محكمة في مدينة مانشستر الإنجليزية، بمنع حضور مشجعَين لسيتي، أي مباراة لخمسة أعوام على خلفية إساءات عنصرية تم توجيهها لنجم الفريق رحيم ستيرلينج.
وفي أميركا الجنوبية يتضاعف الشغب الجماهيري في المدرجات، خاصة في ملاعب الأرجنتين، وعوقب بوكا جونيورز باللعب من دون جمهور لثماني مباريات بعد واقعة في مايو (أيار)، عندما ألقى مشجعوه غاز الخردل على لاعبي الغريم التقليدي ريفر بليت في إياب دور الـ16 لكأس ليبرتادوريس للأندية باستاد لا بومبونيرا، عام 2016. ولم يستكمل اللقاء وتأهل ريفر للدور التالي، ليتم تقليص العقوبة فيما بعد إلى مباراتين فقط.
ويركز مسؤولو الاتحادات القارية والمحلية خاصة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والاتحاد الإنجليزي على محاربة الشغب الجماهيري بكل أنواعه، بدءاً برمي القارورات والعلب داخل الملعب ومروراً بظاهرة اقتحام الملاعب، حتى استخدام الألعاب النارية والمشاحنات مع أجهزة الشرطة، بتوقيع الغرامات المالية على الأندية، وبعدها التلويح بإقامة المباريات من دون جماهير، ثم بعد ذلك حرمان المشجعين الذين تورطوا في أعمال الشغب من دخول الملاعب لفترة قد تصل إلى مدى الحياة.
وبالمقارنة بما يحدث في الملاعب السعودية، فإن حالات الشغب الحالية لم تتخط بعد رمي علب المياه داخل الملعب، كما حدث في مباراة النصر والاتحاد، ثم لقاء الاتحاد والتعاون، وغيرها من المباريات خلال الموسمين الأخيرين، لذلك قررت لجنة الانضباط أولاً توقيع غرامة مالية على الأندية، ومن ثم التهديد بإقامة مباراة من دون جماهير في حال تكرار ذلك حتى الآن.
وقد يكون من الأفضل تطوير هذه المخالفات خلال الفترة القادمة، كتحديد أسماء المشجعين الذين يصرون على إلقاء العبوات داخل الملعب ويتسببون في إيقاف المباريات، رغم علمهم بخطورة ذلك، وبعدها يتم تحديد العقوبات التي يجب أن تتراوح بين عقوبات مالية وتصل في بعض الأحيان إلى المنع من دخول المدرجات لبعض الوقت، كما فعلت اتحادات أوروبا وإنجلترا بالسنوات الأخيرة، من أجل إنهاء ما يعرف بظاهرة شغب الملاعب وإلقاء العبوات وخلافه داخل أرض الملعب.
لجنة الانضباط السعودية ستكون في اختبار حاسم وحازم بالنسبة لصورتها وصورة كرة القدم السعودية، وذلك حين يتم تكرار مثل هذه الأحداث في الجولات المقبلة على صعيد الدوري السعودي للمحترفين وكذلك في المسابقات التي تقام تحت إشراف اتحاد كرة القدم.