تناقضات القطاع المالي تحول دون تعويم الدينار التونسي

أنشر الحب

مكنت السياسة النقدية التي اعتمدها البنك المركزي التونسي طيلة السنوات الماضية من الحفاظ على استقرار مخزون النقد الأجنبي حتى في ظل أزمة كورونا التي شهدت ارتفاعا في سلة العملات الأجنبية غير أن ذلك لا يمكن أن يضمن نجاح عملية تعويم كاملة لسعر الصرف نظرا لعدم تماسك الاقتصاد واضطراب الصادرات.

ويتزايد الحديث في تونس خلال السنوات الثلاث الماضية عن تعويم جزئي أو كامل للعملة المحلية “الدينار”، في وقت تواجه فيه البلاد صعوبات اقتصادية ومالية، وتذبذبا طفيفا في وفرة النقد الأجنبي.

وشهدت قيمة الدينار التونسي تذبذبا في سنوات ما بعد الثورة حيث تدهورت قيمته أمام الدولار الأميركي واليورو الأوروبي بصفة ملحوظة.

وحسب بيانات للبنك المركزي التونسي، كان سعر الدولار في حدود 1.40 دينار في نهاية 2011، ثم بلغ سعر الدولار 1.56 دينار في نهاية 2012، وظل سعر الصرف أقل من دينارين حتى 2015.

وفي 2016 سجل سعر الدولار ارتفاعا إلى 2.14 وواصل الصعود إلى 2.78 بحلول نهاية العام الماضي، فيما كسر حاجز 3 دنانير خلال وقت سابق من 2019 قبل أن يتراجع لاحقا.

رضا شكندالي: اقتصاد انتقالي لا يمكن أن يعطي فائضا في الصادرات
رضا شكندالي: اقتصاد انتقالي لا يمكن أن يعطي فائضا في الصادرات
وقال سليم بسباس وزير المالية الأسبق إن بلاده “ليست في ظروف تخول لها التوجه نحو تحرير سعر الصرف”.

وذكر بسباس أن نظام تحرير سعر الصرف بحاجة إلى متطلبات لكن “لا يمكن في أزمة اقتصادية ومالية اللجوء إلى هذا الخيار”.

وأوضح الخبير أن من هذه المتطلبات تتمثل في “وجود وفرة في المدخرات المقومة بالعملة الأجنبية، حتى يكون البنك المركزي قادرا على ضخ حاجة السوق من النقد.”

وتابع “حاليا، لا بد من توخي الحذر في استخدام أية آلية ضمن أدوات السياسة النقدية في البلاد”.

لكنه أشار إلى وجود إيجابيات في حال القيام بتعويم العملة، مرتبطة بتوفير مرونة للمصدرين والموردين دون مخاوف من تذبذبات حادة لسعر الصرف.

وأضاف “تونس شهدت هشاشة اقتصادية، وتحرير سعر الصرف سيؤدي إلى المزيد من استنفاد الاقتصاد التونسي، وتخارج العملة الصعبة”.

وفي ما يتعلٌق بالسياسة النقدية للبنك المركزي التونسي، قال إن الأخير “توخى منذ عامين سياسة تهدف إلى زيادة احتياطات النقد الأجنبي”.

وحتى مطلع العام الجاري، سجل احتياطي النقد الأجنبي بتونس مستوى قياسيا جديدا، إلى 23.1 مليار (8.25 مليارات دولار)، بما يعادل 161 يوم توريد، وفق بيانات المركزي التونسي.

وأكد الوزير السابق أن “هذا الاحتياطي أعطى أريحية للنظام المصرفي، حيث كانت للسياسة النقدية آثار إيجابية على كبح الطلب على العملة الصعبة، ما ساهم في طمأنة السوق”

في المقابل يرى رضا الشكندالي أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية أن الدينار وقع تحريره ضمنيا دون إعلان منذ 2016، مع إصدار قانون البنك المركزي، واتفاق القرض مع صندوق النقد الدولي.

وقال الشكندالي إن سياسة تحرير سعر الصرف تمت عندما ترك البنك المركزي تحركات الدينار وفق العرض والطلب.

أما بالنسبة إلى الدول المرتبطة بالخارج على مستوى الواردات، فيرى الخبير أن هذه السياسة يمكن أن تمس من قيمة العملة، وهو ما يؤثر على كلفة الواردات ويقفز بالتضخم.

وبالنسبة إلى الوضعية الحالية في تونس، أكد الخبير أن سياسة تحرير سعر الصرف لا تتضمن إيجابيات في الحالة التونسية “إذ ليست هناك قطاعات مستقرة على مستوى الصادرات”.

أما بالنسبة إلى السياسة النقدية للبنك المركزي التونسي، فقد اعتبرها سياسة خاطئة وقد ساهمت في تضرر الاقتصاد التونسي.

وتابع “الضرر وقع منذ 2016 مع تطبيق السياسة النقدية الحذرة وسياسة الصرف المرنة (تحديد سعر الصرف بالعرض والطلب)، وهو شرط من شروط صندوق النقد الدولي لحصول تونس على قرض”.

وفي أبريل 2016، حصلت تونس على قرض مقسم على شرائح من صندوق النقد الدولي بقيمة إجمالية 2.8 مليار دولار.

واعتبر الشكندالي أن “الدينار التونسي لم يجد نفسه أمام العملات الأخرى محليا، باعتبار أن البلاد لا تزال في فترة انتقالية”، في إشارة إلى الدولار واليورو على وجه الخصوص.

سليم بسباس: تونس هشة اقتصاديا والتعويم سيؤدي إلى تخارج العملة الصعبة
سليم بسباس: تونس هشة اقتصاديا والتعويم سيؤدي إلى تخارج العملة الصعبة
وشدد الخبير على أن “الاقتصاد المتماسك يعطي وفرة كبيرة للعملة الصعبة، لكن الاقتصاد في مرحلة انتقالية، لا يمكن أن يعطي فائضا في الصادرات وبالتالي الوقت غير ملائم لتنفيذ أي عملية تعويم جديدة”.

ويثير تعويم العملة من جهة أخرى مخاوف حيال انزلاق كبير ومفاجئ محتمل للدينار حيث من شأن هذه الخطوة أن تتسبب في الكثير من التداعيات السلبية على اقتصاد البلاد المشلول إذ أن الأسعار سترتفع بشكل كامل دون الاقتصار على أسعار السلع الموردة.

وفي ظل القلق السائد بشأن الوضع الاقتصادي التونسي، فإن التعاطي الرسمي مع الوضع المالي للبلاد يبدو غير ملائم خاصة مع تصريحات كبار المسؤولين في البنك المركزي طيلة السنوات الماضية، حول احتمال إفلاس عدد من البنوك التي زادتها جائحة كورونا ضغوطا إضافية.

وكان مخزون النقد الأجنبي في تونس قد شهد ارتفاعا رغم تعطل آلة الإنتاج وركود التصدير والسياحة ما مكن من تخفيف عجز الميزان التجاري، نظرا إلى أن انخفاض الاستيراد كان أكبر من انخفاض الصادرات خصوصا مع الشريك التجاري الأول الاتحاد الأوروبي.

وحسب البنك المركزي، سجل احتياطي تونس من النقد الأجنبي ارتفاعا إلى حوالي 22.3 مليار دينار (حوالي 8.8 مليار دولار) حيث ارتفع احتياطي تونس من العملة الصعبة في تاريخ 25 ديسمبر 2020 إلى ما يعادل 160 يوم توريد.

وفسر خبراء اقتصاد لـ”العرب” في وقت سابق أن هذا الارتفاع لا يمكن تسويقه في خانة الإنجازات الاقتصادية نظرا لأنه نتيجة منطقية لتقلص التوريد والتصدير بفعل أزمة كورونا التي قوضت سلاسل التجارة العالمية.

ويرى خبراء أنه ورغم الأزمة الصحية التي ألقت بظلال قاتمة على مختلف الأنشطة الاقتصادية فهي قد مكنت من تخفيف العجز المزمن في الميزان التجاري التونسي.

ويرجح العديد من الخبراء أن حالة الاستقرار التي تمتع بها الدينار لن تظل كما هي عليه اليوم في حال عادت عجلة الاقتصاد إلى الدوران، حيث استفاد الدينار من تقلص المدفوعات بعنوان الواردات نتيجة الركود الاقتصادي.

وفي وقت سابق، تأثر الدينار التونسي من تقلص النمو وتعطل الإنتاج في قطاع الفوسفات والمحروقات وتعثر القطاع السياحي بسبب العمليات الإرهابية والأزمة الصحية.

وتُساهم السياحة بنسبة تتراوح بين 8 و14 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد التونسي، وتمثل مصدرا رئيسيا للنقد الأجنبي إلى جانب الصادرات وتحويلات العاملين بالخارج.

وكان القطاع السياحي قد تلقى ضربات موجعة خلال العام 2015 بفعل سلسلة من الهجمات الإرهابية التي استهدفت سياحا بمحافظة سوسة الساحلية وأخرى بمتحف باردو في العاصمة، حيث شهدت تلك الفترة ركودا دفع الحكومة إلى إطلاق خطة تهدف إلى الترويج للسياحة وطمأنة الزائرين بخصوص الوضع الأمني.