جائحة كورونا.. كيف غيرت وجه السياسات الاقتصادية إلى الأبد؟

أنشر الحب

بمجرد أن تترسخ مبادئ وأفكار معينة حول الكيفية التي يدار بها الاقتصاد، قد يستغرق الأمر أجيالاً لتغييرها أو التخلي عنها، وعادة ما يحدث شيء كبير لزعزعة تلك السياسة إلى مسار مختلف.. “كوفيد-19” شيء من هذا القبيل.

في عام 2020، عندما ضرب الوباء ودخلت الاقتصادات في جميع أنحاء العالم في حالة إغلاق، قام صناع السياسة فعلياً باختصار دورة الأعمال دون التفكير مرتين. ففي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، أخرج الإنفاق العام الخاطف الاقتصاد من أعمق ركود مسجل – والذي كان أسرع مما توقعه أي شخص تقريباً – ووضعه على حافة الازدهار. ويمكن أن تكون النتيجة تحولاً جذرياً للنظرية الاقتصادية والممارسة.

يأتي ذلك، فيما أدى الركود الكبير الذي أعقب الأزمة المالية العالمية في عام 2008 إلى إعادة التفكير بالفعل في النموذج الاقتصاد الحر. لكن النهج العام – الإطار المعمول به منذ أن قاد الرئيس رونالد ريغان ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر السياسة الاقتصادية الأميركية في الثمانينيات – ظهر سليماً نسبياً.

وبشكل تقريبي، أعطى هذا النهج أولوية للحد من التضخم وإدارة وتيرة النمو الاقتصادي، من خلال تعديل تكلفة الاقتراض الخاص بدلاً من إنفاق المال العام.

لقد ألقى الوباء بهذه الاتفاقيات جانباً حول العالم. ففي الاقتصاد الجديد، حلت السياسة المالية محل السياسة النقدية. ووجهت الحكومات الأموال النقدية مباشرة إلى الأسر والشركات ما تسبب في عجز قياسي في الميزانية.

كما لعبت البنوك المركزية دوراً ثانوياً وداعماً – عبر شراء الديون الحكومية المتضخمة والأصول الأخرى، والحفاظ على تكاليف الاقتراض منخفضة، والإصرار على أن هذا ليس وقت القلق بشأن التضخم. وبدأ صانعو السياسات أيضاً في النظر إلى ما هو أبعد من المقاييس الإجمالية، إلى البيانات التي تُظهر كيفية توزيع الدخل والوظائف ومن يحتاج إلى مساعدة أكبر.

شق طريق العودة

في الولايات المتحدة، وبدرجة أقل في الاقتصادات المتقدمة الأخرى، كانت النتيجة تعافياً أسرع بكثير مما حدث بعد عام 2008. ويفتح هذا النجاح مرحلة جديدة في الصراع على السياسة، حيث تم تعلم الدروس حول كيفية الخروج من الانكماش الاقتصادي. وحان الوقت الآن لمعرفة كيفية إدارة الازدهار.

لقرون، فكر المنظرون في التقلبات المتكررة والحتمية التي تشكل دورة الأعمال. لقد بحثوا عن أسباب في علم النفس الجماعي والتعقيد المؤسسي. ووفقاً للقوانين التقليدية للدورة، كان من المفترض أن يستغرق الأمر سنوات حتى تشق الأسر طريقها للعودة من الانهيار المفاجئ في النشاط الاقتصادي لعام 2020.

بدلاً من ذلك، تدخلت حكومة الولايات المتحدة لعزلهم عن أسوأ آثارها بطريقة لم يتم تجربتها من قبل: من خلال منح الأجور التي لم يعد الملايين من الأميركيين العاطلين عن العمل يتقاضونها من أصحاب العمل.

يتضح حجم هذا الابتكار فيما وصفه يان هاتزيوس، كبير الاقتصاديين في غولدمان ساكس، بأنه “أكثر الإحصائيات المدهشة في هذه الفترة بأكملها”.

في الربع الثاني من عام 2020، وهو الوقت الذي كان فيه النشاط الاقتصادي – الذي يقاس بالمقياس التقليدي للناتج المحلي الإجمالي – يتقلص بأسرع وتيرة على الإطلاق، ارتفع دخل الأسرة الأميركية بالفعل.

تحرك السياسيون الأميركيون بسرعة لأنهم كانوا قادرين على رؤية الكارثة التي كانت ستنجم إذا لم يفعلوا ذلك. لكن سياسات عصر الوباء تشكلت أيضاً من خلال الندم، الذي كان يتراكم منذ عقد من الزمن، على الاستجابة للأزمة الأخيرة في عام 2008.

بعد فوات الأوان، أصبح الاقتصاديون يعتبرون هذه الاستجابة غير متوازنة وغير كافية، حيث أدت عمليات الإنقاذ المصرفية إلى إصلاح النظام المالي، ولكن لم يتم فعل الكثير لمساعدة أصحاب المنازل المثقلين بالديون.

لقد حمت اقتصاديات الوباء الجديدة أيضاً النظام المالي، ولكن من أسفل إلى أعلى بدلاً من أعلى لأسفل – وهي نقطة أثارها مراراً وتكراراً نيل كاشكاري، الذي ساعد في قيادة عملية الإنقاذ بصفته مسؤولاً في وزارة الخزانة الأميركية في عام 2008، وهو الآن رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس.

ومع اختفاء وظائفهم في ربيع عام 2020، كافح الأميركيون لسداد الإيجار ودفع الرهون العقارية وتغطية مدفوعات السيارات. وبدون جهود الحكومة لتعويض الدخل المفقود، فإن الأزمة الصحية المتعلقة بوباء كورونا كانت ستتحول إلى أزمة مالية.

كيف تمكن الأميركيون من دفع جميع فواتيرهم؟

قال كشكاري في أكتوبر على قناة “سي إن بي سي” إن ذلك يرجع إلى أن الكونغرس كان عدوانياً للغاية مع التحفيز المالي، وحذر وقتها من أن الخسائر كانت ستنتقل إلى القطاع المصرفي، ولا أحد يعرف حجم هذه الخسائر في نهاية المطاف.

بعد انفجار الأزمة المالية العالمية تحولت العديد من البلدان إلى كبح جماح ميزانياتها في السنوات التي تلت عام 2008، مدفوعة بمخاوف بشأن ارتفاع الدين العام، وهو الاتجاه الذي كان أكثر وضوحاً في أوروبا. أما في الولايات المتحدة، أدت التخفيضات في الإنفاق الحكومي والفيدرالي إلى خسائر جماعية في الوظائف. وفي كلتا الحالتين، استمرت معدلات البطالة المرتفعة نسبياً ومعدلات النمو المنخفضة في معظم سنوات العقد الماضي.

وفي عام 2020، تراجعت عقيدة التقشف بسرعة في جميع أنحاء العالم. حيث ألغت ألمانيا التي شهدت هوس السياسيين ومحافظي البنك المركزي بالانضباط المالي، قاعدة تتطلب ميزانيات متوازنة وتخلت عن معارضتها للاقتراض المشترك مع دول منطقة اليورو الأخرى. كما أشار صندوق النقد الدولي إلى مخاوف بشأن ارتفاع مستويات الديون، إلا أن أكبر مخاوفه تمثل في تقليص الحكومات لحجم الإنفاق في وقت قريب.

كما أن ثمة مفارقة أخرى، هي أنه في عام 2008، كان صانعو السياسة في الولايات المتحدة انتقائيين بشكل مفرط بشأن من يجب ومن لا ينبغي أن يتلقى المساعدة، وفي مقال رأي لكشكاري نشرته صحيفة واشنطن بوست في 27 مارس 2020 – في نفس اليوم الذي أقر فيه المشرعون قانون الرعاية بقيمة 2.2 تريليون دولار، وهو حزمة التحفيز الرئيسية لمواجهة الوباء – فكر في تلك الجهود السابقة لمساعدة أصحاب المنازل الذين يكافحون من أجل سداد الرهون العقارية.

وكتب: “من خلال تطبيق العديد من المعايير للتأكد من حصول العائلات المستحقة فقط على المساعدة، قلصنا البرامج وأبطأناها بشكل كبير، مما أدى إلى تصحيح أعمق للإسكان، مع عدد أكبر من حالات حبس الرهن”.

على النقيض من ذلك، كان منطق سياسة الوباء على هذا النحو: من الواضح أنه لم يتم طرد أي أميركي من العمل بسبب الوباء، ومعظمهم من العمال ذوي الأجور المنخفضة في المطاعم وغيرها من الصناعات الخدمية. جعل هذا السياسيين مرتاحين لدعم استجابة مالية كبيرة. وعلى عكس إجراءات بنك الاحتياطي الفيدرالي التي هيمنت على مكافحة حرائق الأزمات في الماضي، هبط الإنفاق الحكومي مباشرة في الحسابات المصرفية للأفراد.

فجوة الدخل

حتى قبل كوفيد-19، كانت محنة العمال ذوي الأجور المنخفضة تركز بشكل متزايد على السياسة الاقتصادية. وضع عمق الركود الاقتصادي الكبير والتعافي البطيء – استغرق الأمر أكثر من عقد لاستعادة مستويات التوظيف قبل عام 2008 – قضايا مثل عدم المساواة الاقتصادية والعدالة العرقية في دائرة الضوء.

فجوات الثروة والدخل، لاسيما في الولايات المتحدة وفي البلدان المتقدمة الأخرى أيضاً، آخذة في الاتساع منذ الثمانينيات حيث تم استبدال التدخل الحكومي في الاقتصاد بالاعتماد المفرط على السوق الحرة.

يمكن أن تكون المدفوعات المباشرة للأسر ذات الدخل المنخفض أداة جديدة قوية لحماية الأشخاص في أسفل السلم الاقتصادي من تدمير الثروة الذي يصاحب دائماً فترات الركود. الآن بعد أن تم استخدامها في فترة ركود واحدة، سيكون من الصعب المجادلة بأنه لا ينبغي استخدامها في الركود التالي، وفقاً لـ جيه دبليو ميسون، أستاذ مشارك في كلية جون جاي للعدالة الجنائية بنيويورك.

وقال ميسون: “إذا كان بإمكانك تعويض 100% من الدخل المفقود في أزمة كهذه، فلماذا لا نستبدل 100% من الدخل المفقود للأشخاص في كل انكماش دوري؟”.

وأضاف: “ما هو العذر لقول ذلك لأن لدينا نوعاً من الأزمة المالية – حدث خطأ ما في سوق الرهن العقاري، وكان هناك انهيار في سوق الأوراق المالية – يجب أن يرى الناس العاديون انخفاضاً في مستويات معيشتهم؟”.

دور هامشي للبنوك المركزية

إن انتشار مثل هذه المدفوعات التحويلية أثناء الوباء يسلط الضوء على تحول كبير آخر في الاقتصاد: تسليم السلطة من السياسة النقدية إلى السياسة المالية وتراجع دور البنك المركزي لمكافحة التضخم.

وفي أوائل الثمانينيات في عهد فولكر، أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتفعة للقضاء على التضخم المكون من رقمين الذي استقر في العقد الماضي. وكان أحد الآثار هو جعل السعي وراء الأهداف الاجتماعية من خلال إدارة العجز في الميزانية الحكومية أمراً مكلفاً للغاية، في نظر صانعي السياسات.

أما الآن، بعد فترة طويلة من انخفاض أسعار الفائدة وغياب التضخم إلى حد كبير، يتخذ البنك المركزي النهج المعاكس. حيث كان رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول وزملاؤه من المؤيدين الصريحين للإنفاق بالعجز أثناء الوباء، ووعدوا بالحفاظ على أسعار الفائدة بالقرب من الصفر على الأقل حتى تتم استعادة معدلات التوظيف إلى مستويات ما قبل الوباء.

وفي مارس 2020، عندما اجتمع الكونغرس للمصادقة على أكبر حزمة مالية في التاريخ، قالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إن باول شجعها على “التفكير بشكل أكبر” لأن “أسعار الفائدة منخفضة كما لم تكن في أي وقت مضى”.

مخاطر التضخم

يأتي ذلك، فيما لا يزال هناك نقاش محتدم حول حجم التضخم. فمن جانب، يشير بعض الاقتصاديين والمستثمرين في وول ستريت إلى الأسر التي تتدفق عليها السيولة نتيجة التحفيز الوبائي ومدخرات فترة الإغلاق، والحاجة للخروج وإنفاق الأموال مع إعادة فتح الاقتصاد، حيث أصبح التطعيم أكثر انتشاراً. وهي الحجة التي عززها معدل تضخم مرتفع في أبريل.

كما أن مقاييس سوق السندات للتضخم المتوقع على مدى السنوات الخمس المقبلة بلغت أعلى مستوياتها منذ عقد.

بدوره، قال لورنس سمرز، الذي خدم في آخر إدارتين ديمقراطيتين (كوزير للخزانة في عهد بيل كلينتون ومدير المجلس الاقتصادي الوطني في عهد باراك أوباما)، إن بايدن ضخ الكثير من الأموال في الاقتصاد مقارنة بحجم الثغرة التي تسبب بها الوباء. وقال على قناة بلومبرغ التلفزيونية في أبريل: “يجب أن تكون تقدمياً، ولكن عليك أيضاً أن تكون حسابياً بشكل صحيح”. “أنا قلق من أن هذا البرنامج يمكن أن يؤدي إلى زيادة سخونة الاقتصاد”.

ويشارك الاقتصاديون المحافظون مخاوف التضخم، لكن لديهم اعتراض أعمق على الاتجاه الجديد تحت حكم بايدن وباول. يعتقدون أن هناك خطر من إغفال بعض القوانين الأساسية للاقتصاد.