قصة خليفة ستيف جوبز.. من رائدة ثورة تقنية إلى متهمة بالاحتيال

أنشر الحب

بقطرات من الدم تمكنت اليزابيث هولمز المديرة التنفيذية السابقة لشركة ثيرانوز إقناع عمالقة وول ستريت بتكنولوجيا جديدة اعتقد البعض وقتها أنها ستزلزل صناعة التحاليل الطبية في العالم وتغير من أساساته المعروفة.

هولمز كانت الشخصية البراقة لأكثر من عقد في سيليكون فالي الذي يسيطر عليه الذكور الأثرياء، إلى درجة أنها جمعت نحو 3.6 مليار دولار عام 2014. ولكنها في الوقت نفسه أصبحت أصغر مليارديرة لم تستمتع بثروتها.

المخاطر التي تحملتها والتي جلبت لها ثروتها الهائلة، هو ما حملها أيضا على مواجهة التهم في المحكمة وتعريض نفسها لاحتمال سجنها فترة قد تصل إلى 20 عاما ودفع ملايين الدولارات للضحايا.

شخصية استثنائية

اعتبر الكثيرون إليزابيث هولمز شخصاً استثنائيا إلى درجة مقارنتها بستيف جوبز مؤسس شركة أبل.

يقول المدعون العامون إن هولمز كانت على علم بأن التكنولوجيا التي طورتها لم تؤد إلى نتائج لكنها استمرت في خداع المستثمرين والأطباء والمرضى حتى تتمكن من جمع 700 مليون دولار في بداية طريقها.

وأمس، بدأ اختيار هيئة المحلفين في محكمة اتحادية في سان خوسيه بولاية كاليفورنيا، تليها المرافعات الافتتاحية الأسبوع المقبل.

من المتوقع أن تستمر محاكمتها من 3 إلى 4 أشهر، وتواجه هولمز تهمتين بالتآمر لارتكاب عملية احتيال و10 تهم بالاحتيال.

وتم تأجيل محاكمة هولمز مرات عدة، وخصوصاً أنها أنجبت طفلاً أوائل يوليو. لكن من المقرر أن تبدأ الجلسات في 7 سبتمبر وتستمر أشهراً عدة.

مبنى شركة ثيرانوز

مبنى شركة ثيرانوز

النابغة لم تكمل تعليمها

كانت إليزابيث هولمز تتربع على عرش المجد عام 2014 وهي في الثلاثين من عمرها. فتركت جامعة ستانفورد، وأسست شركة تبلغ قيمتها 9 مليارات دولار لإحداث ثورة في تشخيص الأمراض.

نبوغها كان من الصغر، إذ قامت وهي في سن السابعة بمحاولة اختراع آلتها الزمنية، ودونت ذلك في دفتر ملاحظاتها برسم هندسي. وفي سن التاسعة، أبلغت أقاربها بأنها تريد أن تصبح مليونيرة عندما تكبر. وقال أقرباؤها إنها كانت تقول ذلك بـ “جدية وإصرار”.

وفي مدرستها الثانوية، كانت هولمز تتأخر لساعات في المذاكرة. وأصبحت تحقق أعلى الدرجات على نحو مستمر، وفي ذلك الوقت بدأت في تأسيس أولى أعمالها التجارية، إذ باعت برنامج يترجم أكواد “C++” الخاصة بالكمبيوتر إلى المدارس الصينية.

بداية شركتها

والتحقت هولمز بجامعة ستانفورد لدراسة الهندسة الكيميائية. وفي بداية دراستها استطاعت الحصول على زمالة تمنحها 3000 دولار لعمل مشروع بحثي.

وفي الصف الثاني، ذهبت هولمز إلى أحد أساتذتها، وقالت له “دعنا نبدأ في تأسيس شركة”، ومع مباركته أسست “Real-Time Cures”، والتي جرى تسميتها بعد ذلك بـ ثيرانوز.

وسرعان ما تقدمت هولمز بطلب براءة اختراع لتطبيق للأجهزة الطبية يراقب حالة دماء المرضى، ويضبط جرعة الدواء المخصصة لهم على حسب الحاجة.

وبعد الفصل الدراسي الأول من عاملها الثاني في الجامعة، تركت هولمز ستانفورد، وكانت تعمل على اختراعها من الطابق الأرضي في منزل الطلاب.

نموذج العمل الذي طورته، مبني على أن التكنولوجيا الخاصة بها تستطيع أن تشخص أمراضا عديدة مثل السرطان وارتفاع مستوى الكليسترول في الدم، عبر قطرات دم قليلة.

أصدقاء الطفولة

استطاعت هولمز جمع الأموال لشركتها من المستثمرين مثل مؤسس أوراكل لاري أليسون وتيم درابير وهو والد أحد أصدقائها، ومؤسس شركة الاستثمار المغامر “Draper Fisher Jurvetson”.

واستطاعت هولمز جمع 700 مليون دولار، ومازال درابير يدافع عنها إلى الآن.

وحصلت هولمز على أموال المستثمرين بشرط أنها لن تكشف عن كيفية عمل التكنولوجيا التي طورتها، كما سيكون لها الكلمة الفاصلة في أي شيء يخص الشركة.

وفي أول 10 سنوات، بدأت هولمز في بناء شركتها، وكانت تعاملها صارم مع موظفيها، إذ رفعت دعاوى قضائية على 3 من الموظفين لديها، واتهمتهم بإساءة استخدام أسرار تجارة الشركة.

هولمز وولعها بستيف جوبز

هولمز وولعها بستيف جوبز

ستيف جوبز مثلها الأعلى

تقديس السرية، اقتبستها هولمز من مثلها الأعلى وبطلها، الراحل ستيف جوبز مؤسس أبل.

ولع هولمز بجوبز كان إلى حد الجنون، إذ كانت ترتدي الكنزة السوداء ذات الياقة العالية مثل جوبز، وتزين مكتبها بأثاثه المفضل، ومثل جوبز، لم تحصل على إجازات.

وفي عام 2011، قامت هولمز بتعيين شقيقها الأصغر كريستيان بالشركة، رغم أنه لم يكن لديه أي خلفية علمية أو طبية. ويقول المقربون من الشركة، إنه كان يقضي أياما يتصفح مواقع الرياضة، كما أنه قام بإلحاق أصدقائه من جامعة دوق إلى الشركة.

شقيق هولمز الأصغر

شقيق هولمز الأصغر

وأصبحت هولمز وقتها أصغر مليارديرة عصامية، بثروة تقدر بـ 4.5 مليار دولار.

ولعها بالسرية، وصل إلى حد أنها كانت تفرض على من يزور الشركة توقيع إقرار بعدم الإفصاح عن أي شيء بالشركة قبل الدخول، وكان لديها حراس في كل مكان حتى في المرحاض.

بداية السقوط

في أغسطس 2015، بدأت هيئة الدواء والغذاء الأميركية التحقيق بشأن ثيرانوز، ووجد المسؤولون في الهيئة الحكومية التي تشرف على المختبرات “أخطاء كبيرة” في الاختبارات التي أجرتها الشركة على المرضى.

وفي تحقيق استقصائي في أكتوبر 2015، وجدت صحيفة وول ستريت جورنال أن جهاز شركة ثيرانوز المسمى اديسون “Edison”، لا يعطي نتائج دقيقة، ولذلك، كانت تقوم الشركة بتحليل عينات الدم عبر أجهزة تقليدية لشركات أخرى.

“في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر”، اقتباسات غاندي التي استخدمتها هولمز للدفاع عن نفسها بعد نشر التحقيق في الجريدة.

وفي عام 2016، بدأت عدة جهات حكومية بالتحقيق بشأن ثيرانوز، وفي يوليو 2016، مُنعت هولمز من الدخول في صناعة الاختبارات المعملية لمدة عامين. وفي أكتوبر، تم إغلاق معامل الشركة ومراكز الرعاية التابعة لها.

وفي مارس 2018، تم اتهام هولمز وصديقها السابق راميش بالواني الشهير بـ “صني”، بـ “الاحتيال واسع النطاق”، من قبل هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية. ووافقت هولمز على الاستغناء عن الأمور المالية والتحكم في التصويت بالشركة، ودفع 500 ألف دولار غرامة، ورد 18.9 مليون سهم من أسهم الشركة.

وجرى معاقبتها بحرمانها بتولي أي منصب إداري أو رسمي في أي شركة مدرجة بالبورصة لمدة 10 سنوات.

ومع ذلك، تم السماح لها بالاستمرار في منصب الرئيس التنفيذي لشركة ثيرانوز، بعد أن تحولت إلى شركة خاصة. وطلبت هولمز من المستثمرين مزيد من الأموال لحماية الشركة من السقوط.

وفي يونيو 2018، تنحت هولمز عن منصبها كرئيسة تنفيذية للشركة، وفي نفس اليوم، أعلنت وزارة العدل، أنه تم توجيه 9 تهم لهولمز بالاحتيال، وتهمتين بالتآمر.

وأرسلت هولمز بريدا إلكترونيا إلى المساهمين في سبتمبر 2018 تخبرهم فيه أن الشركة تم إغلاقها.

والآن تواجه هولمز البالغة من العمر 37 عاما، عقوبة بالسجن قد تصل إلى 20 عاما، إذا ثبُت إدانتها بالتهم الموجهة إليها.

وبجانب ذلك، تواجه دفع غرامة تقدر بنحو 2.75 مليون دولار، وتعويضات أخرى للضحايا.

 بالواني صديق هولميز السابق

بالواني صديق هولميز السابق

صديقها السابق.. كبش فداء

وتعتزم هولميز الدفاع عن نفسها في محاكمتها المقبلة بإلقاء اللوم على صديقها السابق الذي كان يشغل منصبا تنفيذيا في الشركة.

ووفقا لوثائق صدرت هذا الأسبوع، تعتزم هولميز اتهام صديقها السابق “صني” بالاعتداء عليها عاطفيا وجنسيا مما أضر بحالتها العقلية وقت ارتكاب الجرائم المزعومة.

وصني نفسه متهم بالاحتيال في قضية منفصلة ستبدأ المحكمة بالنظر فيها العام المقبل.

وتعتزم هولميز أن تعرض على المحاكمة كيف كان يتحكم صني في مأكلها وملبسها، وأيضا مع الأشخاص الذين تتحدث إليهم. وتعتزم هولمز أيضا أن تفصح عن كيف كان صني يراقب مكالماتها ورسائلها وبريدها الإلكتروني، وكيف كان يؤذيها جسديا.

وكتب محامي هولمز في الأوراق الذي سيقدمها للمحاكمة: “استمر هذا النمط من الإساءة والسيطرة القسرية على مدى ما يقرب من عقد من الزمن.. بما في ذلك فترة التآمر المزعومة”.

وينوي محامي هولمز استدعاء الأخصائي النفسي ميندي ميكانيك، الخبير في إساءة معاملة الشريك، والذي قيّم هولمز لمدة 14 ساعة.

وتخطط هلومز للقول إنه نتيجة الإساءة المزعومة، فإن لديها خلل في الصحة العقلية، بما في ذلك متلازمة سوء معاملة الشريك الحميم، واضطراب ما بعد صدمة الاكتئاب.