هل استدعاء ديدييه ديشامب لكريم بنزيمة مخاطرة محسوبة؟

أنشر الحب

كان السعي لتحقيق الانسجام يمثل حجر الزاوية في عهد ديدييه ديشامب كمدير فني لمنتخب فرنسا. لقد سعى القائد السابق لمنتخب فرنسا المتوج بكأس العالم 1998 إلى أن يقود منتخب بلاده للفوز بكأس العالم كمدير فني، ليس من خلال اختيار أفضل 23 لاعباً، ولكن من خلال اختيار قائمة محددة قادرة على العمل الجماعي وبعيدة كل البعد عن التكبر والغرور. وبالتالي، كان انضمام كريم بنزيمة إلى قائمة المنتخب الفرنسي المكونة من 26 لاعباً استعداداً لخوض نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2020 التي تنطلق في الشهر المقبل، بعد قرابة ست سنوات من استبعاد نجم ريال مدريد عن قائمة منتخب بلاده، أكثر من مفاجأة، لأن هذا القرار الجريء من جانب ديشامب قد يؤدي إلى زعزعة استقرار كل ما عمل بجد لتحقيقه.

ويعرف ديشامب قيمة الأجواء الممتازة في غرفة خلع الملابس أكثر من غيره. فخلال العقود الأخيرة، تم تقسيم المجتمع الفرنسي على أسس عرقية أو دينية، لكن المنتخب الفرنسي الذي حمل شارة قيادته في كأس العالم عام 1998 – والذي كان يشار إليه غالباً باسم «السود والبيض والمهاجرين»، أو «السود والبيض والعرب» – وحد مجتمعاً منقسماً معاً من خلال اختيار لاعبين يمثلون فرنسا بأكملها. وقال نجم الكرة الفرنسية زين الدين زيدان في وقت لاحق: «لم يكن الأمر يتعلق بالدين أو بلون بشرتك، فلم نكن نهتم بذلك. لقد كنا معاً فقط واستمتعنا بهذه اللحظة».

في المقابل، اكتشف المدير الفني الفرنسي ريمون دومينيك في كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا مدى السرعة التي يمكن بها زعزعة استقرار منتخب فرنسا بسبب الغرور الذي يصيب اللاعبين. وكان هناك عدد كبير من المشاهد المختلفة – باتريس إيفرا يواجه مساعد المدير الفني روبرت دوفيرن؛ واختباء اللاعبين في حافلة الفريق لدعم نيكولاس أنيلكا بعد خلافه مع دومينيك؛ وظهور المدير الفني بشكل بائس وهو يقرأ بياناً يدين السلطات الفرنسية – التي كانت بمثابة وصمة عار على المستوى الوطني بعدما ودع المنتخب الفرنسي البطولة بدون تحقيق أي فوز.

لكن منذ تعيين ديشامب على رأس القيادة الفنية لمنتخب الديوك في عام 2012، تم التخلص تدريجياً من كل التأثيرات المزعجة، حيث بنى خططه التكتيكية في المقام الأول والأخير على الانسجام والتعاون بين اللاعبين، وقاد منتخب بلاده للفوز بكأس العالم والوصول للمباراة النهائية لكأس الأمم الأوروبية 2016، وغاب بنزيمة عن هاتين البطولتين بعد فضيحة «الشريط الجنسي» لماتيو فالبوينا التي اجتاحت الفريق، وهو ما زاد من حدة الانقسامات بين اللاعبين.

وبالتالي، فإن عودة بنزيمة لقائمة المنتخب الفرنسي تعد بمثابة اعتراف واضح بأن ديشامب ومنتخب فرنسا بحاجة إليه. وربما يكون الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن ديشامب مستعد للمخاطرة بوحدة الفريق، رغم نجاحه حتى الآن. وقال ديشامب عن ذلك: «لقد التقيت به، وتحدثنا لوقت طويل، ثم فكرت ملياً واتخذت هذا القرار. كنت بحاجة إلى هذه الدردشة، وكان هو أيضاً بحاجة إليها. بصفتي مديراً فنياً للمنتخب الوطني، فإنني أنظر دائماً إلى ما هو أبعد من مصلحتي الشخصية، فالمسؤولية أكبر مني».

ورغم أن صحافياً بصحيفة «ليكيب» قد أشار إلى أن بعض اللاعبين في المعسكر كانوا «متحمسين للغاية» لاستدعاء بنزيمة، فإنه سيتعين على بنزيمة أن يتجنب الاصطدام بالمهاجم أوليفييه جيرو، الذي قال عنه بنزيمة العام الماضي عند سؤاله عن المقارنة بينهما: «لا يمكنك أن تخلط بين سيارات الفورمولا 1 وسيارات الألعاب!» في غضون ذلك، لا تزال فضيحة الشريط الجنسي تخيم على بنزيمة، حيث ساء وضعه القانوني بمرور الوقت، وسيمثل أمام القضاء في أكتوبر (تشرين الأول) القادم بزعم أنه عمل كوسيط بين مجموعة من المبتزين وفالبوينا، وبزعم أنه ضغط على زميله السابق في الفريق لدفع أموال للمبتزين. وبعد استبعاده من تشكيلة المنتخب الفرنسي بعد تلك الفضيحة، اتهم بنزيمة ديشامب بـ«الاستسلام تحت ضغط العنصرية جزء من فرنسا».

لكن عودته لقائمة المنتخب الفرنسي لا تعني بالضرورة أنه سيكون ضمن التشكيلة الأساسية، فارتداؤه للقميص رقم 19 ربما يكون بمثابة إشارة على أن جيرو سيظل الخيار الأول في مركز قلب الهجوم. وقال ديشامب عن ذلك: «لقد لعبا معاً من قبل، ولا يقف أي منهما في طريق الآخر. جيرو يواجه وضعاً صعباً مع ناديه منذ فبراير (شباط) الماضي. وهذه هي الحقيقة». ورغم أن جيرو أصبح حبيساً لمقاعد البدلاء منذ تولي المدير الفني الألماني توماس توخيل قيادة تشيلسي، فإن معدله التهديفي يصل إلى هدف كل 100 دقيقة في الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا هذا الموسم، وهو معدل أفضل من معدل أهداف بنزيمة الذي يصل إلى هدف كل 130 دقيقة في الدوري الإسباني الممتاز ودوري أبطال أوروبا. كما أن السجل التهديفي لجيرو على المستوى الدولي أفضل أيضاً.

ومع ذلك، سيكون من الصعب على ديشامب تجاهل بنزيمة، الذي ربما يكون الموسم الحالي هو أفضل موسم خلال مسيرته الكروية بالكامل. كما أن استبعاده من التشكيلة الأساسية سيكون أمراً غريباً للغاية بعد الضجة الكبيرة والمخاطر الهائلة التي تحملها ديشامب بإعادته للقائمة. لكن في نفس الوقت فإن جيرو يجسد فلسفة ديشامب، فهو لاعب عملي ويتميز بالمرونة الخططية والتكتيكية ويضع مصلحة فريقه وزملائه في المقام الأول، كما يبذل مجهوداً هائلاً ويلعب دوراً هاماً للغاية في الضغط على الفريق المنافس وخلق مساحات لأنطوان غريزمان وكيليان مبابي، وهو الأمر الذي رأيناه عندما فازت فرنسا بلقب كأس العالم الأخيرة في روسيا.

وقد اعترف بنزيمة بذلك بنفسه، حيث قال عن جيرو: «أسلوبه في اللعب يناسب المنتخب الفرنسي كثيراً، وهذا هو السبب الوحيد لضمه. إنه يقدم مستويات جيدة لأن هناك لاعبين مثل مبابي أو غريزمان يتمتعون بالسرعة ويلعبون في المساحات الخالية ويتمحورون حول قلب الهجوم. إنه يضغط بشكل كبير على مدافعي الفرق المنافسة، وهو ما يسمح للاثنين الآخرين بالتحرك كثيراً وإظهار قدراتهما. إنه لا يتوقف عن الضغط على المدافعين، وهو الأمر الذي يؤتي ثماره. إنه لا يقوم بعمل مذهل أو رائع، لكنه ينفذ المطلوب منه ويفعل ما يريده».

ورغم أن بنزيمة أصبح المصدر الوحيد الموثوق به لإحراز الأهداف في ريال مدريد في المواسم الأخيرة، فإن الدور الذي يصفه لجيرو يشبه إلى حد كبير الدور الذي كان يقوم هو شخصياً به عندما كان النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو يلعب في ريال مدريد، عندما فاز النادي الملكي بثلاثة ألقاب متتالية لدوري أبطال أوروبا. وبالتالي، يمكن أن يلعب بنزيمة نفس الدور مع منتخب فرنسا. وأشار ديشامب إلى أنه قد يدفع بجيرو وبنزيمة معاً في طريقة لعب 4 – 2 – 3 – 1 التي اعتمد عليها في نهائيات كأس العالم الأخيرة في روسيا. كما يمكن الدفع ببنزيمة على الأطراف، كما حدث في كأس العالم 2014 عندما كون شراكة هجومية قوية مع جيرو وقادا المنتخب الفرنسي لسحق سويسرا بخمسة أهداف مقابل هدفين. وأسهم بنزيمة في 32 هدفاً في الدوري الإسباني هذا الموسم (23 هدف وتسع تمريرات حاسمة).

لكن من المستبعد حدوث ذلك مع وصول بنزيمة إلى الثالثة والثلاثين من عمره. ويبدو الدفع بالثلاثي غريزمان ومبابي وبنزيمة في الخط الأمامي للمنتخب الفرنسي مثيراً للغاية، كما أن اللعب بطريقة 4 – 3 – 3 من شأنه أن يحرر بول بوغبا في خط الوسط أيضاً. ونظراً لأن المنتخب الفرنسي لن يلعب سوى مباراتين وديتين فقط، فمن المرجح أن تزداد فرص بنزيمة في الانضمام للتشكيلة الأساسية، نظراً لأن ديشامب سيعتمد على المستوى الذي قدمه اللاعب مع نادي ريال مدريد خلال الموسم الحالي.

ورغم أن ديشامب قد اعترف بأن «القائمة قبل عام ربما لم تكن نفس القائمة التي أملكها اليوم»، فإن فريقه ربما يظل الأقوى في البطولة. وفي حين تشهد القائمة الحالية غياب تسعة لاعبين ممن فازوا بكأس العالم بروسيا، فإن صامويل أومتيتي وبليز ماتويدي هما من يغيبان فقط عن التشكيلة الأساسية التي اعتمد عليها ديشامب في أول مباراة في كأس العالم 2018، ورغم تراجع مستوى بريسنل كيمبيبي في الأشهر الأخيرة فإنه سيلعب في التشكيلة الأساسية كقلب دفاع إلى جانب رافائيل فاران، على أن يكون مدافع إشبيلية جولز كونديه، وكورت زوما على مقاعد البدلاء. ولم تضم قائمة المنتخب الفرنسي مدافع مانشستر سيتي، إيمريك لابورت، لكن من شبه المؤكد أنه سيلعب في البطولة بقميص المنتخب الإسباني.

كما تشهد القائمة أيضاً غياب أنتوني مارس يال، الذي قال عنه ديشامب إن «حالته لا تسمح بالانضمام للقائمة». وشهدت القائمة أيضاً غياب حسام عوار وإدواردو كامافينغا بسبب تراجع مستواهما مع ناديهما في الفترة الأخيرة. وانضم أدريان رابيو، الذي رفض جلوسه على مقاعد البدلاء في 2018، إلى القائمة هذه المرة، ومن المتوقع أن يلعب على الجهة اليسرى في حال اللعب بطريقة 4 – 2 – 3 – 1، مع انتهاء المسيرة الدولية لماتويدي بعد انضمامه إلى نادي إنتر ميامي الأميركي. وانضم موسى سيسوكو، اللاعب المفضل لدى ديشامب والذي يلعب دوراً كبيراً في وحدة الفريق، إلى القائمة مرة أخرى، رغم عدم مشاركته بصفة أساسية مع توتنهام في الفترة الأخيرة.

قد تكون عودة بنزيمة خطوة مهمة من جانب ديشامب، خصوصاً في ظل تلاشي فضيحة الابتزاز من الذاكرة وتلاشي الانقسامات القديمة بين اللاعبين. ونشر مبابي على الفور تغريدة قدم من خلالها الدعم لبنزيمة، وتفيد تقارير بأن جيرو لم يعترض على عودة بنزيمة. وعلاوة على ذلك، سيكون رافائيل فاران أحد المقربين من بنزيمة أيضاً. إنها مخاطرة، لكن القدرات الفنية الكبيرة لبنزيمة قد تساعده على قيادة المنتخب الفرنسي للفوز بلقب كأس الأمم الأوروبية.

وقال مبابي إنه سعيد جداً بحصوله على فرصة للعب إلى جانب بنزيمة. وأوضح مبابي: «أنا سعيد للغاية. دائماً كنت أقول إنني أريد اللعب إلى جانب لاعبين كبار». وأضاف مهاجم باريس سان جيرمان «على مستوى لاعبي القمة في العالم لا يوجد كثيرون أفضل من بنزيمة». وعبر مبابي عن كامل دعمه لعودة بنزيمة قائلاً: «يلعب في مدريد منذ 10 أعوام وهو يعرف الضغوط ويملك الخبرة والموهبة قبل كل شيء. من السهل التفاهم والتناغم مع كبار اللاعبين. ولذا فأنا على ثقة بأننا سنتفاهم سريعاً جداً».

من جانبه، أعرب زيدان مدرب ريال مدريد عن سعادته لاستدعاء مواطنه ومهاجمه كريم بنزيمة إلى المنتخب الوطني بعد غياب ستة أعوام لخوض نهائيات كأس أوروبا الشهر المقبل. وأكد زيدان الذي سبق أن انتقد منطق ديشامب باستبعاد مواطنه «أنا سعيد جداً لعودة كريم إلى المنتخب الفرنسي. كان هذا ما أراده. أنا سعيد جداً لأنه كان يأمل أن يتحقق ذلك». ورداً على سؤال عما إذا كان لعب دوراً في عودته قال: «كلا، لم يكن لدي أي دور في عودة كريم»، مؤكداً أن الأخير «لطالما قام بكل شيء» للعودة إلى أبطال العالم.

وحث زيدان الرأي العام والجماهير على وسائل التواصل الاجتماعي على التعامل بحكمة مع لاعبه ومنتخب الديوك في النهائيات «آمل فقط أن يدعوه وشأنه. ليس من العادل القول… لدينا أفضل لاعب، إذا فزنا بكأس أوروبا إنه لاعب رائع وإذا لم نفز فهو بسبب». وتابع «آمل ألا يأخذوا هذا المنحى. آمل أن نستمتع بكرة القدم التي يقدمها والتوقف عند هذا الحد».

وكان بنزيمة أعرب بعد استدعائه لصفوف المنتخب الفرنسي عن فخره لضمه مجدداً إلى التشكيلة التي ستحظى هذا الصيف بلاعب تم اختياره أفضل فرنسي محترف في الخارج من قبل رابطة اللاعبين الفرنسيين هذا الموسم بعدما كان أفضل هداف للريال بتسجيله 29 هدفاً في جميع المسابقات. وكشف بنزيمة ما دار بينه وبين ديشامب مؤخراً «لقد قلنا العديد من الأشياء. أشياء كنا بحاجة إلى قولها منذ فترة طويلة. كان تفسيراً جيداً بكلمات مهمة». وشدد «أنا لست قادماً إلى المنتخب الفرنسي لكي أسرق النجومية من أحد أو أخطف مكان أحد… أنا هنا لأقدم ما أعرفه». وتبدأ فرنسا مشوارها في البطولة القارية في 15 الشهر المقبل في ميونيخ ضد ألمانيا الفائزة باللقب ثلاث مرات، وذلك ضمن منافسات المجموعة السادسة التي نضم المجر والبرتغال حاملة اللقب.

وكشف المهاجم السابق لليون أنه «مع ديشامب رأينا بعضنا وبعد ثلاث دقائق عاد كل شيء إلى طبيعته»، متحدثاً عما خالجه قبل الإعلان عن التشكيلة لا سيما وسط تزايد الحديث عن إمكانية عودته، بالقول: «لن أكذب عليكم، لقد سارت الأمور بسرعة فائقة. لقد كان شعوراً كبيراً بالفرح والفخر. بسرعة كبيرة فكرت في كل تلك اللحظات التي لم أستسلم فيها أبداً. لقد كانت صدمة صغيرة، لقد مضى وقت طويل! في أعماقي كان هناك فرح عظيم. عانقت ابنتي قليلاً واتصل بي الجميع على الفور». وتابع «كان لدي أمل، نعم. لطالما آمنت (بإمكانية العودة) لأني لم أستسلم أبداً. لكن أكثر من ذلك، كنت دائماً على استعداد». وعن الأعوام التي أمضاها خارج المنتخب، كشف «كان الأمر صعباً، خصوصاً في البداية. بعد ذلك، سرعان ما أخبرت نفسي بأن هذه العقبة جزء من مسيرتي».