هل سيتعايش التونسيون مع مغامرة رفع الدعم؟

أنشر الحب

قرار رفع الدعم عن السلع الأساسية في تونس، والذي يعد من أبرز مطالب المانحين الدوليين وخاصة صندوق النقد الدولي لتنفيذ برنامج إصلاح مؤلم لتعديل أوتار الاختلالات المالية، ومهما كانت تبريرات الحكومة حوله، فإنه يشكل صداعا لشريحة واسعة من المواطنين في ظل معاناتهم أصلا من ارتفاع الأسعار وتوسع رقعة الفقر وطوابير العاطلين عن العمل وتلاشي الطبقة الوسطى، كما أنه يهدد بإثارة النقابات والاحتقان الاجتماعي.

بالرغم من أن هذا البند ليس بحجم الإنفاق على بند فاتورة الرواتب الذي يلتهم ثلث الميزانية العامة كل عام، إلا أن تقليصه في مرحلة لاحقة يمكن أن يوفر أموالا كثيرة للدولة هي في حاجة إليها لتسيير شؤونها لاسيما وأن تونس تمر بمرحلة اقتصادية حرجة وتسعى بكل جهد للخروج من نفق أزمتها الخانقة.

قد ينسحب هذا الإجراء عكسيا، لصالح المواطنين، وذلك بخلق نفس توعوي لدى التونسيين المنهكين بسبب غلاء المعيشة بضرورة ترشيد الاستهلاك والتقليص قدر المستطاع من هدر المال (الرواتب في أغلب الأحيان)، كما يحصل مع مادة الخبز، على سبيل المثال، حيث تشهد البلاد إتلاف أطنان من هذه المادة كل عام رغم الرقابة الصارمة في توزيع مادة الطحين على المخابز.

لكن هل تبدو مسألة تعايش التونسيين مع مغامرة تقليص مستوى تمويل الدعم حتى التخلص منه نهائيا بحلول 2024 سهلة؟

بعد أن اتخذت حكومة هشام المشيشي بداية شهر يونيو الجاري أولى الخطوات في هذا المسار عبر الزيادة في أسعار بعض السلع والخدمات لتمويل جزء من عجز الميزانية، والمتوقع أن يبلغ بنهاية العام الجاري قرابة 7 في المئة بعد أن وصل إلى مستوى 11.5 في المئة بنهاية 2020، سيجد معظم التونسيين أنفسهم بعد أشهر قليلة أو ربما بعد أسابيع، في وضع محرج للغاية لأن مقدرتهم الشرائية ستضمحل مع مرور الوقت.

سياسة الدعم ارتكزت طيلة سنوات على آلية التوفيق بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي بحيث يكون وضع خطط التمويل في شكل نسب قصوى يتم تقديرها في مرحلة أولى لمدة خمس سنوات ضمن المخططات الخماسية للتنمية بالنظر إلى الإيرادات التي تخطط الدولة لتحقيقها، وفي مرحلة ثانية، يتم ضبط نفقات هذا البند ضمن الميزانية العامة السنوية للدولة في مستوى لا يمس من التوازنات المالية للبلاد.

ولتجسيد تلك الخطط واقعيا كان الصندوق العام للتعويض بمثابة الآلية المعتمدة لتنفيذ هذه السياسة، التي مكنت من الحفاظ على استقرار المقدرة الشرائية للتونسيين نوعا ما. ورغم الأزمات المالية التي عاشتها تونس في الكثير من الفترات، لكن تلك الآلية استطاعت حماية الاقتصاد المحلي من تقلبات أسعار السلع والخدمات في الأسواق العالمية.

كانت هذه السياسة مستقرة رغم الأزمات التي شهدتها البلاد بعد الاستقلال إلى حين الانتفاضة الشعبية في 2011 وما تلاها، والتي حرّكت المياه الراكدة في اقتصاد اتضح أنه هش، ليس لأن البلد لا يملك موارد أو قوانين، بل بسبب سوء إدارة الأزمة ومناخ الاحتجاجات المطلبية، وبسبب الضغوط بات التفكير بجدية في التخلص من صداع دعم المواد الأساسية، مثل الزيت النباتي والسكر والحبوب ومشتقاتها، وكذلك تخفيف دعم بعض الخدمات كالنقل أمرا حتميا.

فبند الدعم يلتهم سنويا قرابة 3.4 مليار دينار (1.24 مليار دولار) منها 880 مليون دولار لدعم السلع الأساسية و220 مليونا لدعم النقل و150 مليون دولار لدعم المحروقات من ميزانية سنوية تتأرجح بين 35 و41 مليار دينار (12.8 و15 مليار دولار) في المتوسط وذلك استنادا إلى الميزانيات التي تم اعتمادها في السنوات العشر الماضية. وهذا المبلغ ولو أنه بسيط إلا أنه بات يثقل كاهل الدولة التي لم تعد لديها مصادر دخل مستدامة.

وبقراءة بسيطة للأرقام يتضح أن تمويل الدعم ليس مشكلة في حد ذاتها لأنه لا يشكل إلا 12 في المئة فقط من حجم الميزانية السنوية قياسا ببنود أخرى، بل المشكلة تكمن في غياب الحوكمة وعدم القدرة على إدارة أموال الدعم بحيث يتم توجيهها بكفاءة وفاعلية إلى الطبقة الفقيرة بشكل مباشر، وهو الذي يجعل السلطات تخلق منه هاجسا.

ثم إن توجه تونس إلى المؤسسات المالية المانحة للاقتراض بشروط، صندوق النقد الدولي في هذه الحالة، هو الذي يدفع كل الحكومات المتعاقبة إلى التفكير في عدم تمويل بند الدعم مستقبلا لتقليص العجز على أن يتم البحث عن صيغة أخرى تتم من خلالها مساعدة التونسيين.

إن الحديث عن إصلاح منظومة الدعم، الذي ظهر بوضوح منذ أن لجأت تونس إلى صندوق النقد مرتين في 2013 ثم في 2016 ولم تتمكن من إكمال البرنامجين المتفق عليهما، يتطلب آليات حكومية متطورة، توفق بين الضغط المالي المفروض على ميزانية الدولة، والاحتياجات الفعلية للفئات الاجتماعية الفقيرة. ويبدو هذا الأمر غير ملموس حتى اليوم.

معظم الدراسات الميدانية التي قامت بها منظمات غير حكومية مثل “أنا يقظ” أو “البوصلة” تتماشى مع بيانات وإحصائيات المعهد الوطني للاستهلاك التابع لوزارة التجارة، والتي تؤكد أن قرابة 80 في المئة من مخصصات بند الدعم لا تذهب إلى مستحقيها في نهاية المطاف، وهذه النسبة العالية تجعل فاعلية هذه المنظومة محدودة وتزيد من الشكوك حولها.

المؤكد أن سياسة رفع الدفع ستقابل بسخط من الشارع التونسي إن لم تحاول السلطات إقناع التونسيين بجدواها. والأخطر من ذلك أن الحكومة ستجد نفسها مجبرة على مقاومة حشود الغاضبين حينما يضغطون عليها من أجل زيادة رواتبهم مرة أخرى بتعلة أنها لم تعد كافية لمواجهة لهيب الأسعار.